۞المنتدى الأسلامي ۞ ╗◄من كتاب الله وسنة نبيه►╔

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 27-Aug-2008, 03:29 PM   رقم المشاركة : ( 1 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي قسم خطب الجمعة والاعياد من اروع الخطب



بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد :

أنا أردت أنا أضع لك من يريد خطب أن يجد في موقعنا شي يفيده من جميع العلماء

أرجوا أن لا تكون مشاركة الا خطب ولا بد ان تذكر عنوان الخطبة


والحمد لله رب العالمين


  رد مع اقتباس
قديم 27-Aug-2008, 03:37 PM   رقم المشاركة : ( 2 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



عن بر الوالدين

- انتشار عقوق الوالدين. 2- حقوق الوالدين. 3- رضا الوالدين باب من أبواب الجنة. 4- قصص في بر الوالدين. 5- صور في حياتنا من العقوق.

الخطبة الأولى


أيها الإخوة المؤمنون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فهو وصية الله لنا ولمن قبلنا، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله [النساء: 131].
معاشر المسلمين: كانت النية أن تكون الخطبة هذه الجمعة عن العطلة الصيفية وكيفية استغلالها، ولكن حال دون ذلك كثرة شكاوي الناس وكثرة الأخبار المزعجة التي تفطر القلوب وتدمي الأسماع، وهي نذير شؤم، وعلامة خذلان، يجب على الأمة جميعها أن تتصدى لإصلاح هذا الخلل الذي بدأ ينتشر انتشار النار في الهشيم، ألا وهو عقوق الوالدين.
عقوق الوالدين أيها الإخوة من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، وكيف لا يكون كذلك وقد قرن الله برهما بالتوحيد فقال تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً [الإسراء: 23].
وقال تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً [الأنعام: 151].
بل هي من المواثيق التي أخذت على أهل الكتاب من قبلنا، وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً [البقرة: 83].
وها نحن نسمع بين الحين والآخر، وللأسف من أبناء الإسلام من يزجر أمه وأباه، أو يضربهما أو يقتل أمه أو أباه.
أقول ـ أيها الإخوة ـ: إن انتشار مثل هذه الجرائم البشعة ليست في الإسلام فحسب بل في عرف جميع بني آدم، أقول: إن انتشارها نذير شؤم وعلامة خذلان للأمة، ومن هنا وجب على جميع قنوات التربية والتوعية والإصلاح تنبيه الناس على خطر هذا الأمر، وإظهار هذه الصورة البشعة لمجتمعاتنا بأنها علامة ضياع وعنوان خسارة.
أيها الإخوة في الله: ما سبب انتشار أمثال هذه الجرائم؟ ولا أقول وجودها لأنها قد وجدت من قديم الزمان، لكن ما سبب انتشارها إلا انتشار الفساد والأفلام المقيتة بوجهها الكالح، وتشبه طبقة من طبقات المجتمع بصورة الشاب الغربي الذي يعيش وحده، وليست له أي صلة تربطه بذي رحم أو قريب، فيتأثر البعض بهذه المناظر فيحصل ما لا تحمد عقباه من العقوق.

أيها الأخوة المؤمنون:
قال تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، لا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما.
وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً. .الآية.
قال الهيثمي عند قوله تعالى: وقل لهما قولاً كريماًأي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن لا سيما عند الكبر، واخفض لهما جناح الذل من الرحمةثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذل من القول، بأن لا يُكلما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع، وإظهار ذلك لهما، واحتمال ما يصدر منهما، ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرهما.
ولا يزال على نحو ذلك حتى ينثلج خاطرهما، ويبرد قلبهما عليه، فينعطفا عليه بالرضا والدعاء، ومن ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعو لهما، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً.
وكان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من دار أمه وقف على بابها فقال: السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: ورحمك الله كما سررتني كبيراً، ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثل ذلك.
أيها الإخوة المسلون:
وحق الوالدين باقٍ، ومصاحبتهما بالمعروف واجبة، حتى وإن كانا كافرين.
فلا يختص برهما بكونهما مسلمين، بل تبرهما وإن كانا كافرين، فعن أسماء رضي الله عنها قالت: قَدِمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت النبي فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: ((نعم، صلي أمك)).
ولم يقف حق الوالدين عند هذا الحد، بل تبرهما وتحسن إليهما حتى ولو أمراك بالكفر بالله، وألزماك بالشرك بالله، قال تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون.
فإذا أمر الله تعالى بمصاحبة هذين الوالدين بالمعروف مع هذا القبح العظيم الذي يأمران ولدهما به، وهو الإشراك بالله، فما الظن بالوالدين المسلمين سيما إن كانا صالحين، تالله إن حقهما لمن أشد الحقوق وآكدها، وإن القيام به على وجهه أصعب الأمور وأعظمها، فالموفق من هدي إليه، والمحروم كل المحروم من صُرف عنه.


وهاهو رسول الله يجعل حق الوالدين مقدماً على الجهاد في سبيل الله.
ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله)).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال لرجل استأذنه في الجهاد: ((أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)) [رواه البخاري].
وعنه أيضاً أن النبي قال: ((رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)) [رواه الترمذي وصححه ابن حبان].
وعن معاوية بن جاهمة قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال لرسول الله: أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: ((هل لك أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها)) [رواه النسائي وابن ماجه بإسناد لا بأس به].
وها هو رسول الله يدعو على من أدرك أبويه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة، فيقول كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة:((رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عنده الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)).
وبر الوالدين من أعظم القربات وأجل الطاعات، وببرهما تتنزل الرحمات وتكشف الكربات.
وما قصة الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار فلم يستطيعوا الخروج منه، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها فقال أحدهم: ((اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار، كنت أرعى عليهم، فإذا رجعت إليهم، فحلبت، بدأت بوالدي اسقيهما قبل ولدي، وإنه قد نأى بي الشجر (أي بعد علي المرعى) فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغَون عند قدمي (أي يبكون)، فلم يزل ذلك دَأْبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ففرّج الله لهم حتى يرون السماء)).
وهل أتاك نبأ أويس بن عامر القرني؟ ذاك رجل أنبأ النبي بظهوره، وكشف عن سناء منزلته عند الله ورسوله، وأمر البررة الأخيار من آله وصحابته بالتماس دعوته وابتغاء القربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه، وذلك الحديث الذي أخرجه مسلم: كان عمر إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم، أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس بن عامر فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد؟ قال: نعم، قال: كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بارٌ بها، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)). فاستغفر لي، فاستغفر له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي.
وعن أصبغ بن زيد، قال: إنما منع أويساً أن يَقدم على النبي برّه بأمه.


ولما علم سلفنا الصالح بعظم حق الوالدين، قاموا به حق قيام.
فهذا محمد بن سيرين إذا كلم أمه كأنه يتضرع. وقال ابن عوف: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد أيشتكي شيئاً؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه.
وهذا أبو الحسن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهم كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها.
وهذا حيوة بن شريح، وهو أحد أئمة المسلمين والعلماء المشهورين، يقعد في حلقته يعلم الناس ويأتيه الطلاب من كل مكان ليسمعوا عنه، فتقول له أمه وهو بين طلابه: قم يا حيوة فاعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم.
هذه بعض نماذج بر السلف لآبائهم وأمهاتهم، فما بال شبابنا اليوم يقصرون في بر آبائهم وأمهاتهم، وربما عق أحدهم والديه من أجل إرضاء صديق له، أو أبكى والديه وأغضبهما (وهذا من أشد العقوق) من أجل سفر هنا أو هناك أو متعة هنا أو هناك.
أوصيكم يا معشر الأبناء جميعاً ونفسي ببر الوالدين، وأن نسعى لإرضائهما وإسعادهما في هذه الدنيا، أسألك بالله يا أخي ماذا يريد منك أبوك إلا أن تقف معه حين يحتاجك، وأن تسانده حين يحتاجك، بل ماذا تريد منك الأم إلا كلمة حانية، وعبارة صافية، تحمل في طياتها الحب والإجلال.
والله يا إخوان لا أظن أن أي أم أو أب يعلمان من ولديهما صدقاً في المحبة وليناً في الخطاب ويداً حانية وكلمة طيبة ثم يكرهانه أو يؤذيانه في نفسه أو ولده.
اللهم إنا نسألك أن تعيننا جميعاً على بر والدينا، اللهم قد قصرنا في ذلك وأخطأنا في حقهما، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسرفنا وما أعلنا، واملأ قلبيهما بمحبتنا، وألسنتهما بالدعاء لنا، يا ذا الجلال والإكرام.


  رد مع اقتباس
قديم 27-Aug-2008, 03:39 PM   رقم المشاركة : ( 3 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه الذي اصطفى، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
أيها الإخوة المؤمنون:
لا أظن أنه تخفا علينا النصوص الواردة من الكتاب والسنة في فضل بر الوالدين، وحرمة
عقوقهما وأن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب.
ولكن ينقصنا العمل بما نعلم، ونغفل أحياناً كثيرة عن مواضع البر مع زحمة الأعمال الدنيوية، كزيارة الوالدين وتفقد أخبارهما والسؤال عن أحوالهما وسؤالهما عن حاجتهما.
وكم نجد ونسمع من يلتمس رضا زوجه ويقدمه على رضا والديه.
فربما لو غضبت الزوجة لأصبح طوال يومين حزيناً كئيباً لا يفرح بابتسامة، ولا يسّر بخبر، حتى ترضى زوجه الميمون، وربما لو غضب عليه والداه، ولا كأن شيئاً قد حصل.
ذكر أحد بائعي الجواهر قصة غريبة وصورة من صور العقوق.
يقول: دخل علي رجل ومعه زوجته، ومعهم عجوز تحمل ابنهما الصغير، أخذ الزوج يضاحك زوجته ويعرض عليها أفخر أنواع المجوهرات يشتري ما تشتهي، فلما راق لها نوع من المجوهرات، دفع الزوج المبلغ، فقال له البائع: بقي ثمانون ريالاً، وكانت الأم الرحيمة التي تحمل طفلهما قد رأت خاتما فأعجبها لكي تلبسه في هذا العيد، فقال: ولماذا الثمانون ريالا؟ قال: لهذه المرأة؛ قد أخذت خاتماً، فصرخ بأعلى صوته وقال: العجوز لا تحتاج إلى الذهب، فألقت الأم الخاتم وانطلقت إلى السيارة تبكي من عقوق ولدها، فعاتبته الزوجة قائلة: لماذا أغضبت أمك، فمن يحمل ولدنا بعد اليوم؟ ذهب الابن إلى أمه، وعرض عليها الخاتم فقالت: والله ما ألبس الذهب حتى أموت، ولك يا بني مثله، ولك يا بني مثله.
هذه صورة من صور العقوق، يدخل الزوج وهو يعيش مع والديه أو أن والديه يعيشان عنده، يدخل البيت معبس الوجه مكفهر الجبين، فإذا دخل غرفة نومه سمعت الأم الضحكات تتعالى من وراء باب الحجرة، أو يدخل ومعه هدية لزوجه فيعطي زوجته، ويدع أمه، هذا نوع من العقوق.
ويا أخي المسلم من أحق بالبر: المرأة التي هي سبب وجودك، والتي حملتك في بطنها تسعة أشهر، وتألمت من حملك، وكابدت آلام وضعك، بل وغذتك من لبنها، وسهرت ونمت، وتألمت لألمك، وسهرت لراحتك، وحملت أذاك وهي غير كارهة، وتحملت أذاك وهي راضية، فإذا عقلت ورجت منك البر عققتها، وبررت امرأة لم تعرفها إلا سنةً أو سنتين أو شهراً أو شهرين.
وهذه قصة حصلت في إحدى دول الخليج وقد تناقلتها الأخبار، قال راوي القصة: خرجت لنزهة مع أهلي على شاطئ البحر، ومنذ أن جئنا هناك، وامرأة عجوز جالسة على بساط صغير كأنها تنتظر أحداً، قال: فمكثنا طويلاً، حتى إذا أردنا الرجوع إلى دارنا وفي ساعة متأخرة من الليل سألت العجوز، فقلت لها: ما أجلسك هنا يا خالة؟ فقالت: إن ولدي تركني هنا وسوف ينهي عملاً له، وسوف يأتي، فقلت لها: لكن يا خالة الساعة متأخرة، ولن يأتي ولدك بعد هذه الساعة، قالت: دعني وشأني، وسأنتظر ولدي إلى أن يأتي، وبينما هي ترفض الذهاب إذا بها تحرك ورقة في يدها، فقال لها: يا خالة هل تسمحين لي بهذه الورقة؟ يقول في نفسه: علَّني أجد رقم الهاتف أو عنوان المنزل، اسمعوا يا إخوان ما وجد فيها، إذا هو مكتوب: إلى من يعثر على هذه العجوز نرجو تسليمها لدار العجزة عاجلاً.
نعم أيها الإخوة، هكذا فليكن العقوق، الأم التي سهرت وتعبت وتألمت وأرضعت هذا
جزاؤها؟!! من يعثر على هذه العجوز فليسلمها إلى دار العجزة عاجلاً.
هذا جزاء الأم التي تحمل في جنباتها قلباً يشع بالرحمة والشفقة على أبنائها، وقد صدق الشاعر حين وصف حنان قلب الأم بمقطوعة شعرية فقال:
أغرى أمرؤ يوماً غلاماً جاهلاً بنقوده كي ما يحيق بـه الضـرر
قال ائتني بفـؤاد أمك يا فتـى ولك الجواهـر والدراهـم والدرر
فأتى فأغرز خنجراً في قلبهـا والقلب أخرجـه وعاد على الأثر
ولكنه من فـرط سرعة هوى فتدحرج القـلب المعفـر بالأثـر
نـاداه قلب الأم وهـو معفـر ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر
إني أدعوكم جميعاً أيها الإخوان ألا تخرجوا من هذا المسجد المبارك إلا وقد عاهدتم الله أنه من كان بينه وبين والديه شنآن أو خلاف أن يصلح ما بينه وبينهم، ومن كان مقصراً في بر والديه، فعاهدوا الله من هذا المكان أن تبذلوا وسعكم في بر والديكم.
ومن كان براً بهما فليحافظ على ذلك، وإذا كانا ميتين فليتصدق لهما ويبرهما بدعوة صالحة أو عمل صالح يهدي ثوابه لهما.
وأما أنت أيها العاق فاعلم أنك مجزي بعملك في الدنيا والآخرة.
يقول العلماء: كل معصية تؤخر عقوبتها بمشيئة الله إلى يوم القيامة إلا العقوق، فإنه يعجل له في الدنيا، وكما تدين تدان.
ذكر العلماء أن رجلاً حمل أباه الطاعن في السن، وذهب به إلى خربة فقال الأب: إلى أين تذهب بي يا ولدي، فقال: لأذبحك فقال: لا تفعل يا ولدي، فأقسم الولد ليذبحن أباه، فقال الأب: فإن كنت ولا بد فاعلاً فاذبحني هنا عند هذه الحجرة فإني قد ذبحت أبي هنا، وكما تدين تدان.
اللهم أعنا على بر والدينا، اللهم وفق الأحياء منهما، واعمر قلوبهما بطاعتك، ولسانهما بذكرك، واجعلهم راضين عنا، اللهم من أفضى منهم إلى ما قدم، فنور قبره، واغفر خطأه ومعصيته، اللهم اجزهما عنا خيراً، اللهم اجزهما عنا خيراً، اللهم اجمعنا وإياهم في جنتك ودار كرامتك، اللهم اجعلنا وإياهم على سرر متقابلين يسقون فيها من رحيق مختوم ختامه مسك.
اللهم أصلحنا وأصلح شبابنا وبناتنا، اللهم أعلِ همتهم، وارزقهم العمل لما خلقوا من أجله، واحمهم من الاشتغال بتوافه الأمور، وأيقظهم من سباتهم ونومهم العميق وغفلتهم الهوجاء والسعي وراء السراب.


  رد مع اقتباس
قديم 27-Aug-2008, 03:46 PM   رقم المشاركة : ( 4 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



أحكام صلاة الجمعة

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما خصكم به من نعمه العظيمة التي من أعظمها هذا اليوم الذي خص الله به هذه الأمة وهو يوم الجمعة، وقد شرع فيه أداء شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام وهي صلاة الجمعة، وهذه الصلاة لها أحكام منها:
أن الله سبحانه شرع الاجتماع لها بأكبر عدد ممكن، ولا يجوز التخلف عنها إلا من عذر مرض أو سفر أو خوف، وهي فرض عين يأثم من يتخلف عنها، فتلزم كل مسلم ذكر بالغ عاقل مقيم في البلد أو خارجه إذا كان يسمع، وقد ورد الوعيد الشديد على من يتخلف عن صلاة الجمعة فعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله يقول على أعواد منبره: ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)) رواه مسلم.
وعن أبي الجعد الضمري عن النبي قال: ((من ترك ثلاث جمع متهاونا بها طبع الله على قلبه)) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان بإسناد حسن.
وعن يحي بن أسعد بن زراره قال: قال رسول الله : ((من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق)) رواه البيهقي في الشعب بإسناد حسن ومع هذا الوعيد الشديد لمن يتخلف عن صلاة الجمعة نجد أن بعضا من الناس اليوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله فلم يستجيبوا للنداء في يوم الجمعة وتخلفوا عنها إصرارا وبعدا عن طريق الخير فاستحقوا بذلك الوعيد الشديد المذكور في الحديث ولا تجب الجمعة على مسافر سفر قصير، لأن النبي وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر مع اجتماع الخلق الكثير، وإذا حضر المسافر الجمعة وصلى مع المصلين أجزأته.
ومن أحكام صلاة الجمعة أنه يستحب التهيؤ لها قبل حضورها بالاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب، وتجميل الهيئة بقص الشارب وتقليم الأظافر، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه، ثم تطيب من أطيب طيبه، ولبس من صالح ثيابه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يفرق بين اثنين، ثم استمع إلى الإمام غفر له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام)) رواه ابن خزيمة بإسناد حسن وفي رواية لمسلم وأبي داود والترمذي
وابن ماجة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا)).
ويستحب المشي إلى صلاة الجمعة وترك الركوب فعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله يقول: ((من غسّل يوم الجمعة واغتسل وبكّر، وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلْغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وابن خزيمة بإسناد صحيح.
ومعنى غسّل واغتسل هذا التكرار يفيد تأكيد الغسل يوم الجمعة قبل الصلاة والتبكير لها أيضا فانظروا رحمكم الله إلى هذا الأجر العظيم الذي يناله المسلم عندما يمشي مبكرا إلى صلاة الجمعة، ومما ورد أيضا في فضل التبكير إلى صلاة الجمعة حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجه ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة ليستمعوا الذكر)) متفق عليه وفي رواية: ((فإذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر)) ففي هذا الحديث والذي قبله الترغيب في التبكير لحضور صلاة الجمعة لما يترتب على التبكير من تحصيل مكان في الصف الأول، والحصول على فضيلة انتظار الصلاة وحصول الاشتغال بذكر الله بصلاة النافلة والتسبيح والتهليل والتكبير والدعاء ومن أهمها قراءة القرآن ولا سيما سورة الكهف فعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)) رواه النسائي والبيهقي والحاكم ورواه الدارمي في مسنده موقوفا على أبي سعيد ولفظه: ((من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق)) وإسنادهما صحيح، وهذه الفضائل التي ذكرنا تفوت كلها على المتأخر. ومع الأسف في هذا الزمان قل الاهتمام بالتبكير لحضور صلاة الجمعة، فالكثير لا يأتون إليها إلا عند دخول الإمام أو عند الإقامة، يحرمون أنفسهم من هذه الأمور العظيمة والفضائل المتعددة التي منها الدعاء كما روى البخاري ومسلم أن رسول الله ذكر يوم الجمعة فقال: ((فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه)) وفي رواية لمسلم وأبي داود قال عليه الصلاة والسلام يحدد وقتها: ((هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضي الصلاة)) وإلى هذا القول ذهب طوائف من أهل العلم.
واعلموا رحمكم الله أنه يجب على الحاضرين الإنصات والاستماع للخطبة، ويحرم الكلام وقت إلقائها وقد ورد النهي عن ذلك، فعن أبي هريرة أن النبي قال: ((إذا تكلمت يوم الجمعة فقد لغوت وألغيت)) يعني والإمام يخطب. رواه ابن خزيمة في صحيحه بإسناد صحيح، وفي رواية للبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت)) وفي رواية للطبراني بإسناد صحيح من حديث علي : ((ومن قال يوم الجمعة لصاحبه أنصت فقد لغا ومن لغا فليس له في جمعته شيء))، وفي هذه الأحاديث دلالة على تحريم الكلام والإمام يخطب وفيه دليل على إباحة الكلام بين الخطبتين لأن المنع هو حال خطبة الإمام وفيه دلالة على تحريم تسكيت المتكلم أثناء الخطبة فلو رأى أحد رجلاً يتكلم أثناء الخطبة فلا يجوز له تسكيته بالكلام فلو قال له: اسمع الخطبة أو: أنصت. فقد لغى حيث أتى بكلام في حالٍ هو مأمور فيها بالإنصات والاستماع مع أن ذلك في الأصل أمر بمعروف ونهي عن منكر مما يدل على أن غير ذلك من الكلام ممنوعٌ من باب أولى حال الخطبة وإذا كان لابد من تسكيت المتكلم فليكن بالإشارة فهي أخف وأبعد عن الإنشغال بالكلام والمحاورة ومعنى: (فقد لغوت): أي حرمت من الأجر ومعنى: (ليس في جمعته شيء):
أي لا ينال أجر الجمعة وليس معناه أن جمعته لا تصح بل صارت جمعته ظهراً كما صح عند ابن خزيمة: ((ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً)). وأجر الجمعة كما هو معلوم أكثر من أجر بقية الصلوات.
واختلف العلماء في رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب والصحيح أن من كان يسمعُ الخطبة فلا يجوز له رد السلام ولا تشميت العاطس بخلاف من لا يسمع الخطبة فإنه يجوز له ذلك والله أعلم.
وأما أصناف الناس الذين يحضرون الجمع فهم كما قال عليه الصلاة والسلام: ((يحضر الجمعة ثلاثة نفر: فرجلٌ حضرها بلغو فذلك حظّه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يخطّ رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك أن الله يقول: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)) رواه أبو داود وابن خزيمة بإسناد حسن.
ويحرم على الداخل للمسجد أن يتخطى رقاب الناس فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجلس فقد آذيت وآنيت)) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح، ومعنى: (آنيت): أي أخرت المجيء وآذيت) بتخطيك الرقاب، ولا سيما إذا كان التخطي وقت الخطبة لأن فيه أذية للناس وإشغالا لهم عن استماع الخطبة فتكون المضرة به واسعة، وأيضاً لا يجوز مسّ الحصا أي تسويته بالأرض بيده أو اللعب بيده على فراش المسجد لأن هذا من العبث الذي يشغل عن سماع الخطبة ويذهب الخشوع فقد جاء في الحديث الصحيح في سنن أبي داود وابن ماجه: ((من مس الحصا فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له)) .
ومن دخل والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا دخل أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين)) متفق عليه، زاد مسلم: ((وليتجوز فيهما)) أي لتكن خفيفة.
أيها المسلمون: يوم الجمعة يوم مبارك شاهد ومشهود فمن حضره يشهد له ومن تخلف بغير عذر يشهد عليه، والملائكة الذين على الأبواب بعد ذلك شهود وقد فضله الله على سائر الأيام كما فضل الشمس على سائر النجوم وجعله للمسلمين عيداً لأسبوعهم كما جعل الأحد للنصارى والسبت لليهود ولهذا نُهي المسلمون أن يفردوه بصوم لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده ))، وفي رواية: ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم أحدكم)) متفق عليه وقد أخذ بعض الفقهاء بظاهر الحديث وحملوا النهي على التحريم وبعضهم على الكراهة وما ذاك كما ذكرنا إلا لأنه عيد الأسبوع .
ومما ورد في فضل يوم الجمعة ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((عرضت الجمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءه بها جبرائيل عليه السلام في كفه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: ما هذه يا جبرائيل؟ قال: هذه الجمعة، يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك ولكم فيها خير، تكون أنت الأول وتكون اليهود والنصارى من بعدك وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه أو يتعوذ من شر إلا أعطاه أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد)) وفي رواية: ((ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة هدانا الله له، وضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى
يوم الأحد، إن فيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه)).
وعن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح.




  رد مع اقتباس
قديم 27-Aug-2008, 03:55 PM   رقم المشاركة : ( 5 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل يوم الجمعة من أشرف الأيام، وجعله عيد الأسبوع لأهل الإسلام، وأمرنا فيه بذكره تعالى وكثرة الصلاة والسلام على سيد الأنام وبدر التمام وأشرف ناطق بأصدق الكلام كلام الله العزيز العليم، نحمدك اللهم على نعمة الإسلام وهي النعمة الكبرى ونشهد أن لا إله الا أنت رب الشعرى ولك الأمر في الأولى والأخرى ونشهد أن محمداً عبدك ورسولك الذي قلت له:فذكر إن نفعت الذكرى اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين وجميع الصحابة والتابعين والمتمسكين بشرائع الإسلام والقائمين بشعائر الدين .
أما بعد:
أيها المسلمون: إن هناك أحكاما فقهية لصلاة الجمعة ومنها:
أن من أدرك منها ركعة مع الإمام أتمها جمعة أي يأتي بركعة واحدة أخرى وإن أدرك أقل من ركعة بأن جاء ودخل مع الإمام بعد أن يرفع الإمام رأسه من الركعة الثانية، فإنه يتمها ظهراً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة)).
ومن أحكام صلاة الجمعة أنها لا راتبة لها قبلها، لكن من دخل المسجد لصلاة الجمعة وكان مبكرا فإنه يصلي من النوافل ما تيسر له إلى أن يدخل الإمام للخطبة، وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر، وأما سنة الجمعة الراتبة فبعدها أي بعد الصلاة لا قبل الصلاة كما ذكرنا لما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا صلى أحدكم الجمعة دخل إلى منزله فصلى ركعتين)) سنتها، فمن صلى راتبة الجمعة في المسجد صلاها أربعا ومن صلاها في بيته صلاها ركعتين، جمعا بين الأحاديث.
ومن الأحكام أنه يحرم البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه فدل ذلك على أن كل أمرٍ وإن كان مباحاً في الأصل إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب فإنه لا يجوز فعله في تلك الحال، كالبيع كما ذكرنا وبالذات بعد الأذان الثاني وخطبة الإمام فإن من الملاحظ أن بعض الباعة الذين يبيعون خارج المسجد أنهم يبيعون في هذا الوقت المنهي عن البيع فيه فبيعهم هذا حرام ويأثمون لذلك فلينتبهوا لهذا الحكم وليحرصوا على دخول المسجد
وسماع الخطبة لأن الله ذم من لم يحضرها وانشغل بتجارته وينبغي للعبد أن يقبل على طاعة الله وقت دواعي النفس لحضور اللهو والتجارات والشهوات، وأن يتذكر ما عند الله من الخيرات والأجر العظيم والثواب الجزيل، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، هذا ما تيسر لي جمعه عن فضائل الجمعة وأرجو أن أكون قد وفقت وحسبي من القلادة ما أحاط بالعنق والله أسأل أن يمن علينا بطاعته واجتناب معصيته.


  رد مع اقتباس
قديم 27-Aug-2008, 04:06 PM   رقم المشاركة : ( 6 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



أشد الناس عداوة لأهل الايمان
لشيخ : خالد المصلح

ملخص الخطبة: 11- من سنن الله الكونية. 2- شدة عداوة اليهود للمسلمين. 3- صور من مكائد اليهود بالرسول . 4- عداوة اليهود للأنبياء عامة. 5- حماية الله تعالى لرسوله وأنصار دينه من كيد الكائدين. 6- جرائم اليهود عبر التاريخ. 7- من أسباب النصر والتمكين

الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أن لله سبحانه سننًا في الأمم والمجتمعات لا يَنْخَرم نظامها, ولا يضطرب ميزانها, ولا يتغير سيرها, ولا يتأخر وقوعها، دائمة دوام الليل والنهار, مطردة على مر العصور والأعوام، لا يعتريها ارتباك ولا اختلال، قال الله تعالى: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً[فاطر:43].
ومن هذه السنن أن الله سبحانه وتعالى قضى بأن يكون لكل نبي عدوٌّ من المجرمين, يحاربه ويعمل على إبطال رسالته, وإطفاء أنوار شريعته, ودحض حجته, وتبديد دعوته, وإفساد ملته, وتمزيق أمته, وتشويه سمعته, ليصد الناس عنه, قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا[الفرقان:31]، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ[الأنعام:112].
وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه هؤلاء المجرمين, وذكر كثيرًا من أوصافهم وأعمالهم وأحوالهم, وقصصهم مع الأنبياء السابقين وأتباعهم المصدِّقين، بيد أن المتأمل في كتاب الله وما فيه من القَصص يلاحظ أن فئة من هؤلاء الأعداء قد شَغلت أخبارهم واحتلت أنباؤهم قسمًا كبيرًا من آيات القرآن وقصصه، فبين أفعالهم مع أنبيائهم وصادقيهم, وأظهر مواقفهم من المؤمنين على توالي السنين, وأماط اللثام عن كثير من صفاتهم وأحوالهم وخصالهم التي اختصوا بها دون سائر الأعداء والمعاندين.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن شدة عداوتهم للمؤمنين الصادقين عامة, ولخاتم النبيين وأتباعه خاصة, فقال تبارك وتعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا[المائدة:82]، فأشد الناس عداوة لرسول الله ودينه وأتباعه هم اليهود, الذين مَرَنوا على تكذيب الأنبياء والرسل وقتلهم، ودَرَبوا بالعتو والكفور والمعاصي والفجور, عاندوا الله في أمره ونهيه, وحرفوا كتبه، مردوا على اللعنة والذلة والمسكنة، طويت قلوبهم على الكفر والفسوق والعصيان, فحاربوا الإسلام وأهله منذ أول وهلة, وسعوا بكل وسيلة، وطرقوا كل باب, وسلكوا كل درب, لإطفاء نور الله, وإحباط دعوته ورسالته, فباؤوا باللعنة والخيبة والغضب والخسار: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[الصف:8].
وقد حفظت آيات الكتاب ودواوين السنة وكتب السيرة ألوانًا وصورًا من مكايد هؤلاء، ومكرهم بالنبي .
منها: لما قدم المدينة مهاجرًا عاهد من فيها من اليهود وسالمهم, وأقرهم على البقاء فيها ما أقاموا العهود, وحفظوا المواثيق، إلا أن يهود لما رأوا ظهور الدين وانتصارات خاتم النبيين ملأ الحسدُ والحقد قلوبهم, فتفجرت ينابيع الشر والغدر والخيانة في أفعالهم و أقوالهم, فناصبوا رسول الله و أصحابه العداء المستحكم المرير، وأخذوا ضده كل كافر ومنافق أثيم, فرحوا واستبشروا بما نزل برسول الله وأصحابه من المنكرات والأزمات، وتألموا لما أحرزوه من الفتوحات والانتصارات, فطفقوا يخططون, وأخذوا يمكرون برسول الله أنواعًا من المكر والكيد.
فمن ذلك أنهم أكثروا على رسول الله الأسئلة تعنتًا وتعجيزًا, ليحرجوا رسول الله ، ويشككوا في صدقِه ونبوته، فأحبط الله عملهم، وخيب سعيهم، وفلّ قصدهم، فأجابهم عما كانوا يسألون، وأسمعهم ما يكرهون، فقال الله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ[البقرة:144].
ومما آذوا به رسول الله أنهم سحروه, فقد أوعزت يهود ـ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ـ إلى لبيد بن الأعصم اليهودي, فسحر رسول الله ، فكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله, فأبطل الله كيدهم, وأفسد مكرهم, ففك الله عن رسوله السحر وشفاه.
ومما آذت به يهود رسول الله أنهم نقضوا العهود, ونكثوا بالمواثيق, وسلكوا دروب الغدر والخيانة والغش والاحتيال, فألبوا القبائل على رسول الله ، وأغروهم بقتاله، وحرضوا على حربه، ووعدوهم بالمساندة والمناصرة عليه، فلما بان نكثهم وظهر نقضهم أجلاهم رسول الله عن المدينة طائفةً تلو أخرى, حتى كان آخرهم خروجًا بنو قريظة, الذين أجلاهم النبي بعد غزوة الأحزاب, كما قص الله علينا نبأهم في سورة الأحزاب.
وقد بلغ الحقدُ والغلُ والكفرُ في يهود منتهاه بعد انتصارات رسول الله وأصحابه, وبعد انحساراتهم وانكساراتهم, فحاولوا أن يحيوا سنة آبائهم وأسلافهم, فدبروا عددًا من المؤامرات لقتل النبي, وكان آخر محاولاتهم أن امرأة منهم دست السم لرسول الله في شاة صنعتها, فتناول الذراع, فلاك منها مضغة ولم يسغها, فما زال لهذه الأكلة التي أكلها أثر, حتى إذا كانت ساعةُ وفاته قال لعائشة رضي الله عنها كما في البخاري معلقًا بصيغة الجزم: ((يا عائشة, ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر, فهذا أوان وجدت انقطاع أَبهري من ذلك السم))[1][1]. والأبهر: عِرق في الظهر متّصل بالقلب, إذا انقطع مات صاحبه. وقد وردت العديد من الروايات بهذا المعنى, وهي تفيد أنه مات شهيدًا من أثر السمّ الذي وضعته اليهودية كما قال بعض أهل العلم. ومهما يكن من أمر في ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد قص علينا أخبارهم مع أنبيائهم, وكيف فعلوا بهم, فقال عنهم سبحانه: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ[البقرة:87].


  رد مع اقتباس
قديم 27-Aug-2008, 04:08 PM   رقم المشاركة : ( 7 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



تابع للخطبة الاولى
ومع هذه المكايد كلها فقد رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا, وكفى الله رسوله والمؤمنين شرَ أعدائهم, وصدق الله العظيم حيث قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[الأنفال:64]. فقد أخبر الله سبحانه أنه كافٍ نبيه, وكافٍ أتباع نبيه , فلا حاجة للمؤمنين مع كفاية الله سبحانه وتعالى إلى أحد, فمن كفاه الله وقاه, ومن كان الله معه خاب كل من ضاده وعاداه.


الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي وعد بإظهار دينه على كل دين, ووعد بنصر عباده المؤمنين على كل عدو أفاك مبين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, نبينا محمد الأمين, وعلى آله وأصحابه الطيبين.
أما بعد: فقد استعرضنا صفحة من تاريخ يهود مع هذه الأمة, ممثلة بنبيها , وقد رأينا ما اجتمع في هؤلاء القوم من الكفر والاستكبار والعناد والظلم والغدرِ والحسدِ والبغي؛ ورأينا كيف آل بهم الأمر, فأجلاهم النبي عن المدينة، وغزاهم في خيبر آخر معاقلهم في الجزيرة, و أنزل بهم ألوانًا من العذاب, بسبب ما اجتمع فيهم من خلال الكفر وصفاته, فصدق الله تعالى حيث قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ[الأنفال:36].



  رد مع اقتباس
قديم 27-Aug-2008, 11:49 PM   رقم المشاركة : ( 8 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



أحكام الطلاق - الإفساد في الأرض

عبد العزيز آل الشيخ

ملخص الخطبة: 1- ضرورة أداء الحقوق الزوجية. 2- حرص الإسلام على انتظام الحياةِ الزوجيّة. 3- الطلاق آخر الحلول. 4- تنظيم الإسلام للطلاق. 5- فرح إبليس بحصول الفرقة بين الزوجين. 6- التحذير من الغضب. 7- الحكمة من مشروعية الطلاق. 8- واجب أهل الزوجين. 9- التحذير من الإساءة والإضرار بعد الطلاق. 10- التحذير من المفسدين باسم الدين.الخطبة الأولى أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، يقول الله جلّ وعلا مبيّنًا حقَّ كلٍّ من الزوجين على صاحبه: وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، فبيّن تعالى أنّ على الزوج واجبًا نحوَ امرأته, وأنّ على المرأة واجبًا نحو زوجها.
عندما يتصوّر كلٌّ من الزوجين هذه الواجبات أو هذا الواجبَ حقَّ التصور ويؤدّي كلٌّ منهما الواجبَ عليه نحوَ صاحبه, عند هذا تستقيم الحياةُ الزوجيّة, وينتظم البيت, وتعيش الأسرة هناءً وطمأنينةً وسكينة, ويتفرّغ كلٌّ منهما للقيام بالحقّ الواجب عليه.
فالرّجل عندما يتصوّر حقًّا أنّه راعٍ على امرأته والله سائلُه عنها, أنها أمانةٌ عندَه والله سائلُه عن تِلكم الأمانة, أنّ المرأة بمنزلة الأسير عندَه فهو مطالبٌ بواجبِ النّفقة سُكنى وكسوةً وسائر النفقات, ومطلوبٌ منه أن يعاشرها ويعاملَها بالمعروف, حسن خلقٍ ولين جانبٍ وتعاملٌ حسن.
المرأة أيضًا تتصوّر هذا الواقعَ، فتعلم أنّ بعقد النكاح أصبحت تبعًا لزوجِها, وأنّ الواجبَ عليها القيام بحقّه, السمع والطاعةُ له في المعروف, عدمُ المخالفة, القيامُ بالحياة الزوجيّة.
فإذا عرف كلٌّ واجبه, وأدّى كلّ الواجب عليه فإنّ الحياة الزوجيةَ تكون حياة طيبةً مطمئنة, تسودها المحبة والمودّةُ والوئام, وينشأ النشء في ظلّ ذلك التعاون المبارك. وإنما تُصاب الحياة الزوجيّة بما تصاب به عندما يضعف أداء كلٍّ للواجب عليه, فيقصِّر الرجل في حقّ المرأة, يقصّر في كِسوتها, في مسكنِها, في النفقةِ عليها, يسيء عشرتَها, يخاطبها بأسوأ خِطاب, لا يتحمّل خطأها, يعاتِب عند كلّ زلّة, ويعاقب عندَ كلّ هَفوة، فهو لا يعرِف جميلاً, ولا يحتفظ بأعمالٍ طيّبة. وعندما يكون ذلك من المرأة فتسيء الخلقَ, ولا تسمَع ولا تطيع أو غير ذلك, تدخُّل الأهلين من قبَل الزوج أو قبل الزوجة, فإنّ تدخّلَهما وإشعالهما نارَ الفتنة بين الزوجين ممّا يقوِّض سلامةَ البيت وطمأنينته.
أيّها المسلم، إنّ الإسلامَ حريص على انتظام الحياةِ الزوجيّة واستمراريّتها، ولذا أرشد الزوجَ عندما يشعُر من المرأة بتقصير بقوله: وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34].
فأمر بالموعظةِ، والذكرى تنفع المؤمنين, يعِظها ويذكّرها الله, ويخوِّفها من عصيان زوجِها, فإن يكن فيها خير وإيمان ردعها إيمانها أن تستمرَ على الخطأ, وهجرَها في الكلام, وهجرها في المضجَع, فعسى الهجر أن يذكّرها ويؤدّبها, وأذن في الأدب بالضرب بلا ضربٍ مبرّح, وإنما أدبٌ يكفي في ذلك، فإن تعذّرتِ الأمور شُرع حكمان يأتيان مِن قبل المرأة والزوج ليقوّما الوضعَ بين الزوجين وأسباب الخلاف وهل يمكن تلافي ذلك الخلاف أما لا؟ كلّ هذا حرص على استمرار النّكاح وعلى انتظام الحياة الزوجية.
أيّها المسلم، إنّ الطلاق في الإسلام لم يأت الحلَّ الأول, وإنما جاء عندما تتعذّر الحلول كلّها, وتبذَل الأسباب ولا تغني شيئًا, فعند ذلك شرَع الله الطلاقَ، أي: أذِن للزّوج فيه.
والطلاق يهدِم البيت, ويشتِّت الأسرة ويفرِّقها, فتبقى المرأة أيِّمًا والأولاد من بنين وبنات ربّما ضاعوا بين قسوةِ أبٍ وعدم قدرة أم, وتلك البليّة العظمى.
أيّها المسلم, عندما أذِن الله في الطلاق إنما أذِن وشرعه للحاجة الملحَّة إلى ذلك, لم يشرَعه محبّةً له, ولكن لأنّ فيه مصلحةً فشرِع ذلك الطلاق, وهذا الطلاق من أبغَض الحلالِ إلى الله كما قال : ((أبغضُ الحلال إلى الله الطلاق))[1]، وتوعّد المرأةَ المسلمة حينما تطلب الطلاقَ من زوجها بلا سببٍ يقتضيه, فيروَى أنّه قال: ((أيما امرأةٍ سألت زوجَها الطلاقَ في غير ما بأس فحرامٌ عليها رائحة الجنة))[2].
ثم هذا الطلاقُ ـ أيها المسلم ـ لم يأتِ فوضويًّا, ولم يُجعل أمرُه لشهوةِ الرجل أو المرأة, بل جاء بنظامٍ دقيق مؤثّر نافع, فهو دواء, والدّواء إنما يستعمَل بقدره فقط، ألا ترى الطبيبَ لو وصَف لك أنواعًا من العِلاج مأكولاً أو مشروبًا، هل تتناولها جرعَةً واحدة وتقول: يكفي؟! لا، لا بدّ له من أوقاتٍ مناسبة، إذًا فالطلاق دواء إنما يستعمل في الحاجة إليه.
ولقد كانوا في الجاهليّة قبل الإسلام يطلّقون طلاقًا فوضويًّا، فيطلّق الرجل المرأةَ في أيّ وقت شاء، فإذا قاربت العدّة راجعها، وربما جمَع لها مئاتٍ من الطلقات، فجاء الإسلام وحدَّ مِن هذه الجاهلية, جعل للطلاق عددًا، وجعل له زمنًا, كلُّ ذلك للتأمل والتفكّر والتبصّر، فعسى الأمر يعود إلى مجاريه.
فأوّلاً: الشارع جعل للطلاق وقتًا، فلم يأذَن للمسلم أن يطلّق متى شاء، لكي يمنع أهلَ الحماقة من حماقاتهم والذين لا يتبصّرون في الأمور أن يوقفَهم عند حدّهم.
فالطلاق في الشريعة إنما هو في وقتٍ مخصّص، وهو أن يطلّقها في طهرٍ عقِب الحيض، أي: في طهرٍ ما جامعها فيه، فإن طلّقها في طهرٍ وطِئها فيه صار بذلك عاصيًا لله؛ لأنّه يحتمَل أنها حامل، فتطول المدّة عليها، وهو أيضًا قد لا يرغبها، لطولِ المدّة عليها، فيكون في ذلك ضررٌ عليه وعليها، فحرّم عليه أن يطلّقها في طهرٍ وطئها فيه. وحرم عليه أن يطلّقها وهي حائض؛ لأنّ الحيض يمنعه من الاستمتاع، فربما انصرفت نفسُه عنها، وفيه أيضًا تطويل المدة عليها.
وحرّم عليه أن يجمعَ ألفاظَ الطلاق بلفظ واحد، بأن يقول لها: هي طالقٌ بالثلاث, سمع النبيّ رجلاً قال لامرأته: أنتِ طالق بالثلاث, فغضب وقال: ((أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!)) حتى قام رجل فقال: أأقتله يا رسول الله؟[3] دلّ على أنّه ارتكب إثمًا عظيمًا.
ثم إنّ النبيّ منع المسلمَ من أن يتساهلَ ويتلاعبَ بالطلاق, وجعل الطلاقَ نافذًا سواء أكان هازلاً في أدائه, أو كان جادًّا في أدائه، فيقول : ((ثلاثٌ جدّهن جدّ وهزلهن جدّ: النكاح والطلاق والرجعة))[4]. فلا يحلّ لك أن تطلّق من باب المزاح واللّعب، فإنّ هذا حكم شرعيّ، والله يقول: وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا [البقرة:231].
ثم شرَع له إذا طلّقها الطلقةَ الواحدة أن يتركَها حتى تنقضيَ عدّتها, ولا يجمع لها في الطهر بين طلقتين، فإنّه لا ينفعه ذلك، بل إذا طلّقها وليس له فيها رغبةٌ فبانقضاء عدّتها تكون أجنبيّةً عنه، لا تعود إليه إلا بعقدٍ جديد برضاها؛ لأنها طلقة واحدةٌ انقضت عدّتها, كلّ هذا حتى لا يستغرقَ المسلم ألفاظَ الطلاق, ولا يقع في مشاكل, فإنّه إن طلّقها الطلقةَ الثالثة فلا تحلّ له حتى تنكِح زوجًا غيره نكاحَ رغبةٍ لا نكاح تحليل, كلّ هذه أمور محافظةً على البيت أن ينهدِم على أيدي سفيه.
أيّها المسلم، إنّ عدوَّ الله إبليس يفرح بك في حال غضبك وحماقتك، فيجعل الطلاق نصبَ عينيك، ويلقيه على مسامعك, فإن اتّقيتَ الله وتبّصرت في الأمور لم تطِع عدوَّ الله في مراده, جاء في الحديث: ((إنّ الشيطان ينصب عرشَه على الماء, ويبثّ جنوده فيأتيه الواحدُ ويقول: ما زلتُ بفلان حتى فرّقت بينه وبين أبيه أو بينه وبين أمّه أو أخيه, يقول: ما فعلتَ, يوشِك أن يصالحه. ويأتيه آتٍ ويقول: ما زلتُ بفلان حتى فرّقت بينه وبين امرأته, قال: فيدنيه ويضمّه إليه ويقول: أنتَ وأنت وأنت))[5]. فعدوّ الله يفرح بالتّفريق بين الزوجين، يفرح بتشتيت الأسرة وتفرّقها.
أيّها المسلم، كن حريصًا على استمرارِ الحياة الزوجيّة.
أيّها الرجل، أنت أقوى عودًا وأشدّ ثباتًا، فإياك وإيّاك أن تعصِفَ بك الريح فتطلّق بلا سببٍ يقتضيه, إيّاك والضجر وقلةَ الصبر ونفادَ الحلم، تأمّل في كلامك قبل أن تقوله, وتدبّر عواقبَ الأمور, وإذا غلَب الغضب عليك فاقعُد من قيام, واضطجِع من قعود, وتوضّأ، وتعوّذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، واخرج عن المنزل، فعسى الغضب أن يزول وتنقشِع سحائبه.
أيّها الرّجل المسلمُ العاقل، ليس لائقًا بك أن يكونَ الطلاق دائمًا على لسانك, لا تجعله حلَّ المشاكل, فالمشاكل يمكِن حلّها بكلّ سبب, لا تجعَل خصومتك مع الناس وغلطَك مع الآخرين أن تصبّ غضبك على امرأتك, عندما يبدو منها تقصيرٌ في واجب أو عدم قيام بواجب فما أمكن أن تتلافاه فتلافاه, وما أمكن أن تتجاوَزه فتجاوزه, ما دام الدّين سليمًا والعِرض نزيهًا والشّرف محافظًا عليه, فبقيّة الأمور يمكن الصبر عليها, ويمكن تداركها, ويمكن إصلاحها, أمّا العجلة في أمرِ الطّلاق على أتفهِ الأسباب وأحقَر الأسباب فهذا غير لائق بالرجل العاقل ذي العقل الرزين والرأي السليم.
أيّها المسلم، لا بدَ من صبر، ولا بدّ من تحمّل، ولا بدّ من تصوّرٍ للمآل بعد الطلاق, أمّا إذا كان الإنسان لا يبالي, ضعفٌ في الإيمان, قلّةٌ في الصبر، نفادٌ في الحلم, فإنّه يهدِم بيته في لحظةٍ من اللحظات.


  رد مع اقتباس
قديم 28-Aug-2008, 12:02 AM   رقم المشاركة : ( 9 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



تكميل للخطبة الاولى

أيّها المسلم، لا بدَ من صبر، ولا بدّ من تحمّل، ولا بدّ من تصوّرٍ للمآل بعد الطلاق, أمّا إذا كان الإنسان لا يبالي, ضعفٌ في الإيمان, قلّةٌ في الصبر، نفادٌ في الحلم, فإنّه يهدِم بيته في لحظةٍ من اللحظات.
أيّها المسلم، إنّ الطلاقَ شرِع لتخليصِ الرّجل من عدَم ملائمة المرأة أو تخليصِ المرأة من عدم ملائمة الرّجل, لكن ما أمكن تداركُه والصبر عليه فالمطلوبُ من الزوجين السّعيُ في لمّ الشّعث وتدارك الأخطاء.
ثمّ أهل الرجل وأهل المرأة عليهم أيضًا واجبٌ أن يبذلاه حتى لا تقَع المشاكل, فينصح أهلُ المرأةِ المرأة, ويوصوها بالصبر وعدم الضجر, وينصح أهلُ الرّجل الرجلَ، فيوصونه بالصبر والثبات, فإذا تعاون الجميع على الخير أمكن استمرارُ الحياة الزوجية على أطيب الأحوال.
أيّها المسلم، بعضُ الرجال يمارس ضغوطًا على المرأة حتى بعد الطلاق لينتقِم منها, فيتّخذ من الضغوط الأولادَ أوّلاً, ربما لا يمكِّنهم من رؤية أمّهم, وربما يتركُهم فلا يرعاهم ولا ينفِق عليهم فيضيعون, إمّا أن يأخذَهم عنده فيعامَلون غيرَ معاملة الرّفق واللين, وإمّا أن يتركَهم عند أمّهم فلا يرعاهم ولا ينفِق عليهم. وقد تتعصّب الأمّ أيضا على زوجها فتنتقم منه فتمنَع أولادَه من الذّهاب إلى أبيهم، كلّ هذه الأغلاط والأخطاء ينبغي تلافيها وتداركُها، وأن لا نتّخذ من الطلاق وسيلةَ انتقام وبطشٍ بالآخرين وإلحاق الضّرَر بالآخرين.
فلنتَّقِ الله في أنفسنا, ربّنا جلّ وعلا أمر الزوجَ إذا طلّق أن يتركَ المرأة في المنزل مدّةَ العدّة لعل الله أن يحدِث بعد ذلك أمرًا، لعله أن يندمَ ولعلّها أن تندم، جعل الطّلاق مراحل: أولى ثم ثانية ثم ثالثة.
أولى فإن يكُن من المرأة الخطأ ندِمت أو مِن الرجل، ثم الثانية, فإذا طلّقها الثالثة علِم أنّ الحياة الزوجيّةَ لا يمكن استمرارها واستقرارُها.
فعلى الجميع لزومُ حدود الله والوقوف عندها؛ لأنّ الله يقول: وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1].
فلنتَّق الله في طلاقِنا, لا من حيثُ الزمن, ولا من حيثُ العدد, ولا من حيث الإقدامُ عليه إلا بعدَ تعذّر كلّ وسيلةٍ يمكن أن نستعمِلها حتى لا نلجأ إلى الطلاق ولا نجعله الحلَّ لمشاكلنا.
أسأل الله لي ولكم التوفيقَ والهداية والعون على كلّ خير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1].


  رد مع اقتباس
قديم 28-Aug-2008, 12:03 AM   رقم المشاركة : ( 10 )


 
لوني المفضل : Brown
رقم العضوية : 48
تاريخ التسجيل : Jun 2008
فترة الأقامة : 2127 يوم
أخر زيارة : 12-Feb-2014
المشاركات : 5,916 [ + ]
عدد النقاط : 42
الدوله ~
الجنس ~
 
 
 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

غير موجود

افتراضي



الخطبة الثانية:


الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وبعد: أيّها المسلمون، يقول الله جلّ وعلا: وَيَــئَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف:19-22].
أيّها الإخوة، يبيِّن لنا ربّنا جلّ وعلا أنّه أسكنَ أبانا آدمَ وزوجته الجنة, وأباح لهما كلَّ شيء فيها إلاّ شجرة واحدةً عيّنها لهما ونهاهما عن قربانها: وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ. هذه شجرةٌ واحدة منِع آدم وزوجتُه من الأكلِ منها، وسائر ثمار الجنة أبيحَت لآدم وزوجتِه, ماذا عمِل عدوّ الله إبليس؟ وسوس لهما وقال لهما: إنّ ربّكما ما نهاكما عن هذه الشجرة إلاّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، فإذا أكلتما منها كنتما من الخالدين دائمًا, وقاسمهما: أقسَم لهما أنه ناصح، فدلاّهما بغرور.
أيّها الإخوة، هكذا الشيطان يعمَل مع بني آدم، يظهِر لهم الشرّ والفساد والبلاءَ في قالَب الإصلاحِ والنصيحة, يزيّن لهم الباطلَ حتى يظنّوه خيرًا, ويقبِّح لهم الخيرَ حتى يظنّوه باطلاً، وهكذا أعوانُ الشّياطين من شياطين الإنس الذين يسعَون في الأرض فسادًا, يُغرون الجهال ويغوونهم ويصدّونهم عن طريق الله المستقيم, يظهرون لهم الباطلَ في قالَب الحق, والشرَّ في قالب الخير, ويظنَّ الجاهل أنّ أولئك محقّون, والله يعلم أنهم مفسدون.
أيّها المسلم، كم من عدوٍّ متربّص بالأمّة ساعٍ في الأرضِ فسادًا، لكنّه يلبس لبوسًا لأجلِ أغراضِه ومطامعه, فقد يكون في قلبه مرض ونفاقٌ وحِقد على الإسلام وأهله، لا يروي غليله ولا يطفئ حقدَه إلا أن يرى بين المسلمين شرًّا, فهو والعياذ لله داعيةُ ضلال وساعٍ في الأرض فسادًا, يأتي لجاهلٍ ولمراهِق غِمر لا يفهم, فيحسِّن له الباطل, يحسِّن له قتلَ الأبرياء وسفكَ الدّماء وإخلالَ الأمن, يقول: هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, اقتل, ودمّر, واختَر من تقتله وأنت آمر بمعروف أو ناهٍ عن منكر، وقد يأتيه يومًا ويقول له: هذا من كراهية أعداءِ الله وموالاة أولياء الله, وقد يأتيه في صوَر شتى، لكن يعلم الله منه أنّ قصدَه الفساد والإفساد، يقول لهم: افعلوا وأقدموا على إجرامِكم فإنّكم في الجنّة؛ لأنّكم قتلتم الكفارَ والمشركين, فأهل الإسلام المصلّين الصائمين يراهم هذا الخبيث يراهم مجرمين يجب قتلُهم واستئصالهم.
هكذا يحسِّن أعداء الإسلام لمن لا بصيرةَ عنده ولا علم عنده، يحسّنون له الشرَّ كما حسّن الشيطان لأبينا آدم الأكلَ من تلكم الشجرة حتى أهبطه الله إلى الأرض, لكن الله تدارك أبانا آدمَ، فتاب عليه وعفا عنه.
أيّها الشابّ المسلم، فاحذر دعاةَ السوء، احذر دعاةَ السوء ومجالسَ السوء وأرباب السوء، مهما أظهروا لك من الغَيرة على الدين, ومهما قالوا لك من الدّفاع عن الدين, إذا كانوا يأمرونك بقتلِ المسلمين وسفكِ دمائهم وترويعهم والإخلالِ بأمنهم فاعلَم أنهم مجرمون ومفسِدون, المصلِح لا يدعو إلى فتنة, ولا يؤيّد الفتنة, وإنما يدعو إلى الخير ويأمر بالخير بالطرق الشرعية. أمّا سفكُ الدّماء وقتل الأبرياء، سفك الدّماء تدميرُ الأمة إرباكها، فليس هذا من الدّين أبدًا، هذا كلّه من تزيين الشّيطان, لا تطِع أولئك, ولا تنقَد لهم, ولا تطِعهم فيما يقولون وما يظهرون, إنهم أعداؤك وأعداءُ دينك وإن تظاهروا بما يتظاهرون به, فلو كان في القلبِ إيمان وإسلامٌ لاحترموا الدّماء والأموالَ والأعراضَ، إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، وفي الحديث: ((لا يزال المرءُ في فسحةٍ من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا))[1].
فيا أخي المسلم، كيف يستبيح إنسانٌ قتلَ رجل الأمن مثلاً, هذا رجلٌ يدافِع عن دينه ثمّ عن أمّته، فلماذا تسفك دمه؟ لماذا؟ لأنّ هذا الذي خطّط لهذا يرَى أولئك كفّارًا، دماؤهم حلال, وقتلهم واجِب. كلّ هذه من المغالطات، كلّ هذه من دعاة الفتن, من دعاةِ الضلال, من أقوامٍ امتلأت قلوبهم مرضًا وحِقدًا على الإسلام وأهله.
فاتّقوا الله يا شباب الإسلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوةُ إلى الله وإلى دينه أمرٌ مطلوب شرعًا, لكن بالطرق الشرعيّة المأذون بها, بالأمر بالمعروف في حدوده, والدعوة إلى الله بوسائلها, أمّا أن نتّخذ من سفك الدماء وترويع الآمنين أن نتخذها وسيلةً ندّعي أن هذا دعوة وأنّ هذا إصلاح، هذا ليس بالإصلاحِ أبدًا, وهذا منافٍ للإصلاح وبعيدٌ كلَّ البعد عنه.
فلنتَّق الله في أنفسنا، ولنتَّق الله في أمننا وأمنِ مجتمعنا، ولنحرص على التناصح والتعاون فيما بيننا في سبيل ما يقلّص هذه الجريمة, ويقطع دابرها, فكلٌّ منا مسؤول عن واجبه نحوَ أمّته, والنبيّ يقول لنا: ((لعنَ الله من آوى محدِثًا))[2]. فالمحدِث الفاجرُ الظالم لا يجوز إيواؤه، ولا يجوز التستّر عليه؛ لأنه والعياذ بالله إذا ترِك واستمرّ على إجرامه وفساده فضرره ليس على فئة معيّنة, ضررُه عليك وعلى فلان وعلى أهلِك وعلى مجتمعك.
فلنتَّق الله في أنفسنا، ولا نطِع أعداءنا ولا نطِع من في قلبه مرض على الإسلام وأهله، فأمننا نحن جميعًا مسؤولون عنه, نرجو الله أن يحفظه من كلّ سوء, وأن يعيذنا من شرورِ أنفسنا ومن ذنوبِنا أن لا تكون جُندًا علينا, نسأل الله السلامةَ والثبات, ولا شكّ أن ما أصاب العبادَ فبذنوبهم، وما ربّك بظلاّم للعبيد.
واعلموا ـ رحمَكم الله ـ أنّ أحسَنَ الحديثِ كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجمَاعة المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار.
وصلّوا ـ رحِمكم الله ـ على نبيّكم محمّد كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك مُحمّد, وارْضَ اللهمَّ عن خلفائِه الرّاشدين...


  رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:47 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. تعريب » حلم عابر
جميع المواضيع و الردود تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي إدارة منتديات نبض جبه ღ♥ღالحقوق محفوظة إلى منتديات نبض جبه 2012 م ღ♥ღ

a.d - i.s.s.w